مصطفى لبيب عبد الغني

89

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

وقد بلغت عناية الرازي الفائقة هنا حدا دفعه إلى تأليف كتاب عن الفروق بين الأمراض « 1 » ، ويبتدئ هذا الكتاب الهام بمقدمة يقول فيها : « لما رأيت أطباء هذا الزمان لا يعرفون من الأمراض إلّا ما تصوّروه من الكتب بدلائله وأسبابه المذكورة ، وكانت الأسباب والدلائل قد تشترك ، والأمراض قد تشتبه ، وكانت الهمم قاصرة على تحصيل العلم بذلك بالقياس والاستخراج من الأصول والقواعده رأيت أن أجمع كتابا فيما يشتبه من الأسباب والدلائل والأمراض . وأجمع فيه بين كل مشتركين ومتشابهين منها ، ثم أفرق بينهما . وهذا شئ . . . فائدته عظيمة في المباشرة » « 2 » . * * * وإلى جانب هذا الوعي بمختلف العوامل التي يحتمل تأثيرها لم يغفل الرازي أثر العوامل الوراثية كذلك ؛ ونجده يقول تعليقا على حالة مريض أشكل علاجه : « إلا أنني كنت لا أحكم أن أباه كان يعتريه هذا الداء وهو أيضا كان يعتريه هذا الداء في صحته . فينبغي لنا أن لا نغفل بعد ذلك غاية التقصي » « 3 » . * * * والتجربة العلمية - على الأصالة - تقوم عند الرازي امتحانا لفرض نظري وانطلاقا من فكرة سابقة موجهة ، ولا تنفصل الممارسة العلمية عن المعرفة النظرية . وليست التجربة العلمية عملا عشوائيا ولكنها تدبير مضبوط موجه . ولا قيمة للواقعة الغفل في حد ذاتها إلا من حيث علاقتها بذهن منتبه ، ولا تترك التجربة للمصادفة العارضة وللأمر النادر والشاذ ؛ ولكنها العمل المضطرد على

--> ( 1 ) ابن أبي أصبيعة : « عيون الأنباء » ص 427 . ( 2 ) راجع : الرازي : « كلام في الفروق بين الأمراض » - مخطوط : ( ملى مالك ، رقم 4573 تهران ) ، وأيضا : ابن أبي أصيبعة : « عيون الأنباء في طبقات الأطباء » ص 427 . وأيضا : محمود نجم‌آبادى : « مؤلفات ومصنفات أبو بكر محمد بن زكرياى رازي » ص 175 - 177 ، تهران 1339 ه / ش . ( 3 ) الرازي : « الحاوي » ج 16 ص 191 .